فخر الدين الرازي
97
تفسير الرازي
لما كانت الأشهر شرعت بدلاً عن الأقراء والبدل يعتبر بتمامها ، فإن الأشهر لا بد من إتمامها وجب أيضاً أن يكون الكمال معتبراً في المبدل ، فلا بد وأن تكون الأقراء الكاملة هي الحيض ، أما الأطهار فالواجب فيها قرءان وبعض . الحجة الرابعة : لهم : قوله صلى الله عليه وسلم : " طلاق الأمة تطليقتان ، وعدتها حيضتان " وأجمعوا على أن عدة الأمة نصف عدة الحرة ، فوجب أن تكون عدة الحرة هي الحيض . الحجة الخامسة : أجمعنا على أن الاستبراء في شراء الجواري يكون بالحيضة ، فكذا العدة تكون بالحيضة ، لأن المقصود من الاستبراء والعدة شيء واحد . الحجة السادسة : لهم : أن الغرض الأصلي في العدة استبراء الرحم ، والحيض هو الذي تستبرأ به الأرحام دون الطهر ، فوجب أن يكون المعتبر هو الحيض دون الطهر . الحجة السابعة : لهم : أن القول بأل القروء هي الحيض احتياط وتغليب لجانب الحرمة ، لأن المطلقة إذا مر عليها بقية الطهر وطعنت في الحيضة الثالثة فإن جعلنا القرء هو الحيض ، فحينئذ يحرم للغير التزوج بها ، وإن جعلنا القرء طهراً ، فحينئذ يحل للغير التزوج بها ، وجانب التحريم أولى بالرعاية ، لقوله صلى الله عليه وسلم : " ما اجتمع الحرام والحلال إلا وغلب الحرام الحلال " ولأن الأصل في الإبضاع الحرمة ، ولأن هذا أقرب إلى الاحتياط ، فكان أولى لقوله صلى الله عليه وسلم : " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك " فهذا جملة الوجوه في هذا الباب . واعلم أن عند تعارض هذه الوجوه تضعف الترجيحات ، ويكون حكم الله في حق الكل ما أدى اجتهاده إليه . أما قوله تعالى : * ( ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن ) * فاعلم أن انقضاء العدة لما كان مبنياً على انقضاء القرء في حق ذوات الأقراء ، وضع الحمل في حق الحامل ، وكان الوصول إلى علم ذلك للرجال متعذراً جعلت المرأة أمينة في العدة ، وجعل القول قولها إذا ادعت انقضاء قرئها في مدة يمكن ذلك فيها ، وهو على مذهب الشافعي رضي الله عنه اثنان وثلاثون يوماً وساعة ، لأن أمرها يحمل على أنها طلقت طاهرة فحاضت بعد سعة ، ثم حاضت يوماً وليلة وهو أقل الحيض ، ثم طهرت خمسة عشر يوماً وهو أقل الطهر ، مرة أخرى يوماً وليلة ، ثم طهرت خمسة عشر يوماً ، ثم رأيت الدم فقد انقضت عدتها بحصول ثلاثة أطهار ، فمتى ادعت هذا أو أكثر من هذا قبل قولها ، وكذلك إذا كانت حاملاً فادعت أنها أسقطت كان القول قولها ، لأنها على أصل أمانتها .